فخر الدين الرازي
178
القضاء والقدر
على عشر تحصيل تلك العلوم ، في المدة الطويلة ، لوجب القطع بأن أبا هريرة ، كان أفضل منهما ، وأكثر علما منهما . ومعلوم أن ذلك باطل . ولا يقال : إن سائر الصحابة كانوا مشغولين بالتجارات ، وطلب الدنيا ، وأن أبا هريرة كان ملازما للنبي صلى اللّه عليه وسلم . لأنا نقول : إن أبا بكر ترك التجارة بالكلية ، واشتغل بخدمة النبي . وفي زمان الإمامة ، كان مقدم الأمة ، والمرجوع إليه في حل المشكلات ، وإزاحة المعضلات . فكان هو أولى بالرواية . فحيث لم يفعل ذلك ، علمنا أن تركه هذه الروايات كان أولى . باتفاق أكابر الصحابة . وحينئذ يتوجه الطعن في أبي هريرة . الوجه الرابع في تقرير هذا الطعن : إنه ليس في جملة الأخبار الصحيحة خبر أظهر ولا أشهر عند المحدثين من الخبر المشتمل على شرح الإسلام والإيمان والإحسان . ثم إنه اضطرب هذا الخبر ، اضطرابا شديدا ، بسبب ما فيه من الزيادات والنقصانات . ونحن نذكر القدر الذي ذكره الشيخ أبو بكر الجوزقي « 1 » في كتابه الذي سماه بالمتفق بين الشيخين . وهو أول خبر أورده في ذلك الكتاب . فروى بإسناده عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال « 2 » : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يوما بارزا للناس . فأتاه رجل . وقال يا رسول اللّه : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن باللّه وملائكته ورسله ولقائه . وتؤمن بالبعث الآخر . قال يا رسول اللّه : ما الإسلام ؟ قال : أن تعبد اللّه لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان . قال يا رسول اللّه : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فلو أنك لا تراه . فإنه يراك . قال يا رسول اللّه : متى الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . وأحدثك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها ، فذلك من أشراطها ، وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس ، فذلك من أشراطها . وإذا تطاول رعاة الغنم في البنيان ، فذاك من أشراطها . في خمس لا يعلمهن إلا اللّه . وتلا : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ « 3 » .
--> ( 1 ) هو أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن زكريا الجوزقي نسبة إلى جوزق من قرى نيسابور الشيباني النيسابوري . محدث حافظ ( 306 ه - 388 ه ) قام برحلة علمية طويلة ، بمصاحبة عمه . ومن آثاره : المتفق الكبير ، الجمع بين الصحيحين ، الصحيح المخرج على صحيح مسلم ، المتفق والمفترق . . ( راجع ترجمته في : اللباب لابن الأثير 1 / 251 ، الوافي بالوفيات 3 / 316 ؛ طبقات السبكي 2 / 169 ؛ شذرات الذهب 3 / 129 ، النجوم الزاهرة 4 / 199 ، تذكرة الحفاظ 4 / 1014 ) هدية العارفين 2 / 56 ، الأعلام 7 / 99 ، معجم المؤلفين 1 / 240 ، تاريخ التراث العربي 1 / 347 . ( 2 ) الحديث رواه البخاري في الإيمان باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإسلام ( 1 / 19 ) ومسلم في الإيمان باب الإسلام والإيمان والإحسان ( 1 / 39 رقم 9 و 10 ) وأبو داود في السنة باب في القدر ( 4 / 224 رقم 4698 ) والنسائي في الإيمان باب صفة الإيمان والإسلام ( 8 / 101 ) وابن ماجة في المقدمة باب في الإيمان ( 1 / 25 رقم 64 ) وأحمد ( 2 / 426 ) . وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد نحوه مطولا عن سيدنا عمر رضي اللّه عنه وسيأتي . ( 3 ) سورة لقمان الآية 34 .